القاضي التنوخي
142
الفرج بعد الشدة
وتفرّق الناس للأكل والصلاة ، واجتهدت بهم [ 51 ن ] أن يجتمعوا ، ويبيتوا تحت السلاح ، فخالفوني ، وكانوا قد كلّوا وتعبوا ، ونام أكثرهم . فغشيتنا الخيل ، فلم يكن عندنا امتناع ، فوضعوا فينا السيوف ، وكنت أنا المطلوب خاصّة ، لما شاهدوه من تدبيري القوم برأيي ، وعلموا أنّي رئيس القافلة ، فقطّعوني بالسيوف ، ولحقتني هذه الجراحات كلّها ، وفي بدني أضعافها . قال : وقد كشف لنا عن أكثر جسده ، فإذا به أمر عظيم هالنا ، ولم نره في بشر قط . قال : وكان في أجلي تأخير ، فرميت نفسي بين القتلى ، لا أشكّ في تلفي ، وساقوا الجمال والأمتعة والأساري . فلما كان بعد ساعة ، أفقت ، فوجدت في نفسي قوّة ، والعطش قد اشتدّ بي ، فلم أزل أتحامل ، حتى قمت أطلب في القافلة سطيحة « 8 » قد أفلتت ، أشرب منها ، فلم أجد شيئا . ورأيت القتلى والمجروحين الذين هم في آخر رمق ، وسمعت من أنينهم ما أضعف نفسي ، وأيقنت بالتلف . وقلت : غاية ما أعيش إلى أن تطلع الشمس . فتحاملت أطلب شجرة أو محملا قد أفلت ، لأجعله ظلّا لي من الشمس إذا طلعت . فإذا أنا قد عثرت بشيء لا أدري ما هو ، في الظلمة ، فإذا أنا منبطح عليه بطولي وطوله . فثار من تحتي ، وعانقته ، وقدّرته رجلا من الأعراب ، فإذا هو أسد . فحين علمت ذلك طار عقلي ، وقلت : إن استرخيت افترسني ، فعانقت
--> ( 8 ) السطيحة : المزادة ، أي الوعاء الذي يحفظ فيه المسافر الماء ، والبغداديّون يسمّونها : المطّارة ، محرّفة عن : المطرة ، وهي القربة .